لم يكن المعرض الذي أقامه تكتل الجمعيات الأهلية للتراث الفلسطيني، مجرد عرضٍ لتراب البلد المحتل. بل مثّل فرصة للكثيرات لتأمين مردود مالي يساعدهن في تلبية حاجات عائلاتهن


راجانا حميّة
تمسك السيدة قطعة من الصابون المعطّر، سائلة: «شمّي ريحة الزيتون، بشو بيذكرك؟». كانت تتوقع تلك السيدة من الصبية الصغيرة أمامها أن تجيبها سريعاً: «تذكرني بفلسطين». لم تجب، فبادرتها السيدة بالقول «هادا الصابون بريحة الزيتون، والزيتون بذكر بفلسطين». وتضيف بإصرار «تذكّري يا بنتي هادا الشي».
«هادا الشي»، الذي تتحدّث عنه ثريا ضيف الله، ابنة السبعين، كان يذكّر فعلاً بفلسطين، وليس مجرد صابونة برائحة الزيتون. وهذا فعلاً ما أرادته ضيف الله، الفلسطينية المشاركة في المعرض اللبناني الدائم للتراث الفلسطيني. وهو المعرض الذي ينظمه تكتل الجمعيات الأهلية، كل عام في قصر الأونيسكو. هناك، كان كل شيء فلسطينياً بالفعل. المطرزات. الكوفيات. العباءات. مفاتيح البيوت الصدئة. حنظلة. الكنافة النابلسية. ولا يسع الداخل إلى المعرض إلا اختبار ذاك الشعور بأنه «هناك». في الداخل: التراث الفلسطيني، وخارج القاعة: صور عما يفعله الاحتلال الإسرائيلي بتلك الفلسطين، حيث تزدحم الجدران بصور الغزاويين، الشهداء والآخرين الأحياء المحرومين من الحياة.
هاتان الصورتان لفلسطين، داخل القاعة وخارجها، هي الهدف الذي أراده المنظمون من معرضهم. إذ تشير جهينة رعد، مديرة المعرض، إلى أن «ما نريده من جولاتنا تلك أن نبقي قضية فلسطين حية، وأن نحافظ على تراثها، ولو بأشغال يدوية وحرفية». ثمة هدف ثالث، قد يوازي في أهميته المحافظة على تراث البلد الضائع منذ 62 عاماً، وهو أن المعرض «يؤمن فرص عمل لربات المنازل اللواتي لا يجدن مورداً لتأمين رزقهنّ أو لتأمين مورد إضافي». يسرى ضيف الله، إحدى تلك السيدات الباحثات عن مورد للرزق... وللترفيه أيضاً. لم يعد راتب المشرفة في مركز البرامج النسائية والدروس الخصوصيّة للغات والتطريز تسعف السيدة لإعالة زوجها المريض منذ بضع سنوات. في إحدى المرات التي كانت تشارك فيها السيدة في أحد المعارض، فُتحت «أبواب الرزق أمامي»، تقول. فهناك، تعرفت إلى إحدى السيدات المشرفات على المعرض اللبناني الدائم للتراث الفلسطيني. حدّثتها عن عملها. عن وضعها. عن الفراغ الكبير الذي تعيشه في حياتها. انتهى اللقاء بدعوتها للمشاركة في «المعرض الجاي» بأشغال من صنع يديها. كان ذلك منذ ثلاث سنوات، حين شاركت ثريا للمرة الأولى في المعرض. صنعت الكثير من الأغراض: صابون بعطر الزيتون والياسمين والليمون، مطرزات، أساور، وحقائب. كانت تعمل في اليوم ما بين 5 و8 ساعات، تملأ فيها فراغ بيتها من الأطفال والزائرين، وتسعف في الوقت نفسه زوجها العاطل من العمل. لا تعوّل السيدة على هذا العمل، لكنه «يساعدني على سد بعض الثغر». ما تعتبره ضيف الله مورداً إضافياً، تعتبره نساء أخريات مشاركات في المعرض مورداً أساسياً في ظل حرمان الفلسطيني من ممارسة الكثير من الأعمال. نساء أخريات حضرن إلى المعرض من أجل فلسطين، لا المال ولا الترفيه. وتقول نوال راضي، مسؤولة المرأة في منظمة المرأة التقدمية الفلسطينية، إن «الهدف الأول لوجودي هنا أن نعزز التراث الفلسطيني»، مضيفة «هناك أجيال صغيرة لم تولد في فلسطين ولا تعرف عنها كفاية، فهذه فرصة لتعريفهم ببلدهم». والهدف الثاني؟ تقول راضي «إن هذه المهنة تدر أموالاً، لأن الناس تقبل على التراث وتشتريه للاحتفاظ به وتذكر فلسطين دوماً». تنوعت الأهداف للمعرض، لكن ما لم يتغير فيه هو الغرض منه: التذكير دوماً بفلسطين.



الدورة الثالثة

يقام المعرض اللبناني الدائم للتراث الفلسطيني في قصر الأونيسكو للمرة الثالثة على التوالي. وقد شارك فيه نحو 29 جمعية فلسطينية. أما طريقة المشاركة في المعرض، فتشير مديرته جهينة رعد إلى «أن المنظمين يعمدون في كل عام إلى تنظيم اللقاءات مع الجمعيات وحتى ربات المنازل، نطرح عليهم بعض الأسئلة، على أن يكون محورها الأشغال اليدوية والخزفيات الفلسطينية». بعد إجراء المقابلات، يحدد التكتّل للمشاركين المهلة الزمنية لتحضير الأشغال، شرط ألا تقل عن شهر. وبالنسبة إلى المعروضات تقسم فئتين: واحدة للعرض وأخرى للبيع.