تتوالى الخطوات التركية في سياق مساعي حل المعضلة الكردية. وسوريا جزء أساسي في أي مشروع مماثل. أطلق الرئيس بشار الأسد قبل أيام، سلسلة مواقف نالت اهتمام الأتراك، لكنها تركت أيضاً عدداً من الأسئلة والألغاز


أرنست خوري
مضى وقت طويل لم تتحدث فيه سوريا الرسمية عن القضية الكردية التي تشترك فيها مع تركيا وإيران والعراق. كُسر الصمت حين بدا وكأنّ تركيا جادة في مشروعها الهادف إلى إنهاء الموضوع سلمياً بأسرع وقت ممكن، بعدما عجزت عن ذلك عسكرياً طيلة عقود. وترافق ذلك مع المصالحة التاريخية التي أبرمها رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان مع الرئيس بشار الأسد قبل نحو 5 أعوام، والتي انسحبت على العلاقات التركية – السورية، الرسمية منها والشعبية وعلى جميع المستويات.
ولما كانت تركيا راغبة بإنهاء الكابوس الكردي، كان عليها بالضرورة إقناع الدول الثلاث المذكورة بالتعاون والانخراط معها في جهودها، ليقينها بأن المسألة المعقَّدة، إقليمية عامّة، تتعدى الأطر الوطنية الخاصة.
ومَن تابع تعليقات الصحف والوكالات التركية عن الزيارة الأخيرة لأردوغان إلى دمشق، قبل حصولها يوم الأحد الماضي، لاحظ أنّ عنوان الزيارة لم يكن الأزمة الحكومية العراقية، ولا الإعداد لإعلان الاتحاد الاقتصادي الذي سيجمع تركيا وسوريا ولبنان والأردن، بل مناقشة إلى أي مدى سوريا مستعدة للتعاون مع تركيا في ما يتعلق بجهود أنقرة على جبهة حل معضلة حزب العمال الكردستاني. وفيما يبقى التعاون الايجابي السوري، كما العراقي، أكثر من حتمي لإنجاح الجهود التركية، لا تزال إيران بعيدة عن الانخراط في هذه المسألة.
والمطلوب تركياً من العراق أصبح معروفاً: تضييق حرية حركة المقاتلين الأكراد في مناطق إقليم كردستان العراق، تحديداً في جبال قنديل، وقطع التمويل الكردي العراقي عن «الكردستاني»، وإقفال الحدود من الجهة العراقية مع تركيا والتعهد بعدم تحويل الإقليم العراقي الشمالي إلى دولة مستقلة، ومنع استمرار تجنيد «الكردستاني» مقاتلين عراقيين.
أما المطلوب من الطرف السوري فمختلف. تشير التقديرات إلى وجود نحو 1500 مقاتل كردي سوري في صفوف «الكردستاني» من أصل 5000، وأيّ حل قد ينتهي بتسليم الحزب سلاحه من ضمن اتفاق سلام، لا بد أن يتضمّن ضمانات لهؤلاء المقاتلين ولعائلاتهم، أكان من خلال إصدار عفو سوري عنهم، أو السماح لعائلات هؤلاء بالذهاب للعيش في تركيا مع رجالهم وشبابهم. وفهمت الصحف التركية تصريحات الأسد عن «ضرورة فتح الباب أمام التائبين دائماً» على أنه تأكيد استعداد دمشق للعفو عن المقاتلين الأكراد، لكن بشرط أن تقوم أنقرة بالأمر نفسه وبالتزامن، وبناءً على توسيع الحقوق الديموقراطية للمواطنين، لا على أساس الاعتراف بمنطقة ذات حكم ذاتي لقومية معيّنة.
وبالفعل، تحدث أردوغان شخصياً عن أزمة وجود عائلات لمقاتلين أكراد في سوريا، حاصراً حديثه في هذا الشأن بـ«ضرورة التوصل لحلّ المشكلة بالتعاون مع سوريا»، من دون أن يوضح ما إذا كانت فكرته هي السماح لهذه العائلات بالذهاب إلى تركيا، أو عودة المقاتلين المعفى عنهم إلى سوريا وإعطاؤهم الجنسية السورية.
وتعود جذور الأزمة إلى الأعوام الأولى لولادة الجمهورية التركية الحديثة في عشرينات القرن الماضي، حين هرب آلاف الأكراد من مصطفى كمال إلى سوريا، حيث لم ينالوا منذ حينها الجنسية، وهو ما انفجر في الإحصاء السكاني الشهير الذي جرى في سوريا عام 1962. وبحسب الصحافي السوري الخبير في الشؤون التركية، والمقيم في تركيا، حسني محلّي، فإنّ عدد هؤلاء الأكراد المقيمين في سوريا حالياً من دون أوراق ثبوتية يبلغ نحو 200 ألف، كانت دمشق تنوي منحهم الجنسية وحقوقاً أخرى قبل سنوات، لو لم تحصل أحداث القامشلي. ومثلما ترفض تركيا مجرّد التفكير في احتمال نشوء دولة كردية على حدودها الشمالية (في العراق)، فإن سوريا لا تريد سماع أي حديث عن إمكانية نيل أكراد تركيا وضعاً ذاتياً قد يحيي المطالب الفدرالية لأكراد سوريا. من هنا تشديد الأسد، في مؤتمره الصحافي مع أردوغان، على أن الأولوية في العقل السوري بالنسبة للأزمة الكردية، تبقى المصالح الوطنية من ضمن التعاون مع الدول المعنية.
ووفق الكاتب الكردي التركي إبراهيم غوشلو، فإنّ أشرس العناصر في «الكردستاني»، هم السوريون، وهم منظمو العمليات العسكرية الأكثر دموية.
ويشير إلى أنّ العناصر السوريين في «الكردستاني» يتخوفون من أن رفاقهم الأتراك مستعدون لتقديم تسويات في الحوار الجاري مع السلطات التركية، ومن مصلحتهم إعاقة ذلك، معرباً عن ثقته بأن أي قرار بالعفو سيعيد خلط الأوراق داخل صفوف «الكردستاني»، مع التأكيد أن سوريا، حتى لو أصدرت عفواً، فلن يكون محصوراً بالأكراد، لأنها لا تعترف بوجود أزمة قومية لديها.
وكان الأسد قد أطلق أوضح موقف له حول القضية الكردية في تموز الماضي، في مقابلة مع صحيفة «توداي زمان»، حين قال إن بلاده «مستعدة لاستقبال 1500 مقاتل سوري في صفوف الكردستاني»، مشجعاً تركيا على جهودها الكردية ليتحول «العمال الكردستاني» إلى حزب سياسي.