«الإخوان» يدفعون ثمن المشاركة وينسحبون من انتخابات الإعادة


وائل عبد الفتاح
انسحبت جماعة «الإخوان المسلمين» من انتخابات الإعادة، وسبقها حزب «الوفد»، أما «التجمع» فأصرّ على الاستمرار، مبرراً، على لسان رئيسه رفعت السعيد، بأنها «معركة الشعب». لم يقل أي شعب؟ كما لم يقل «الإخوان» و«الوفد» شيئاً جديداً في تفسير القرار، الذي يراه البعض متأخراً.
«الانسحاب» هو مقاطعة متأخرة لانتخابات جرت من دون ضمانات تقريباً وخضعت كلياً لنزوات الحزب الوطني في الاحتكار، وهو ما ظهر في الجولة الاولى التي حصل فيها مرشحو الحزب على ٩٧ في المئة من المقاعد، فيما يتصارع الحزب مع نفسه في انتخابات الإعادة في ١١٤ دائرة.
لماذا كانت اليقظة متأخرة؟ ربما بعد استيعاب صدمة اليوم العصيب، والتقاط المزاج الرافض في العالم للتزوير المكشوف.
«كانت حرباً إذاً... لا مجرد معركة». حرب كاملة للتخلص من جماعة الإخوان المسلمين، لم يكن يوم ٢٨ تشرين الثاني سوى موقعتها الأكبر.
الجماعة هي المهزوم الكبير، ليس فقط لأنها خسرت مقاعدها الـ٨٨ في مجلس الشعب المصري، بل لأنها بدت منزوعة الأسنان في مواجهات الشوارع. لم تدافع الجماعة عن أسطورة قوّتها، وتنظيمها المتوغل في الشوارع، ولم تجد عصابات البلطجية التابعة للحزب الوطني أحداً في مواجهتها.
سارت الحرب بمنطق: «لا ينفي الأسطورة إلا الأسطورة». ولم يكن تفكيك أسطورة «الإخوان» نتيجة يوم انتخابات عادي، بل كان يوماً تنظمت فيه خطوط الحزب الوطني لاستعادة أرض تركتها للجماعة.
الخطة بدأت تحديداً بالتعديلات الدستورية، تغيرت قواعد اللعبة الانتخابية تماماً، وعادت الى قبضة البيروقراطية، سلاح السلطة التنفيذية البتّار، حيث ألغي الإشراف القضائي الكامل، ومعه بصيص أمل بانتخابات تسير على نهج ٢٠٠٠ و٢٠٠٥.
القواعد الجديدة أعادت الانتخابات الى قبضة كانت قد تلاشت، ولم يعد أمام الجماعة إلا اللعب في مساحات أصغر بكثير من المسموح بها في انتخابات ٢٠٠٥، حين كانت الصفقات مع النظام ترتب وجود مرشحي الجماعة في خريطة الانتخابات بعيداً عن مواقع وشخصيات حساسة. الترتيب وحده بوابة عبرت منها الجماعة الى مساحات لم تكن متخيلة تحت القبة، وهو ما دعم «أسطورة» القوى النائمة لـ«الإخوان» في كل مدن مصر.
أسطورة عزّزها ضعف المعارضة، القديمة المدجنة اصلاً، والجديدة تحت التكوين والبناء. الجماعة، بناء على هذا، عدّت نفسها مركز الثقل الوحيد وتعاملت على أساس أن مصلحتها تعلو ولا يعلى عليها، وأنها المعارضة، والمعارضة هي ما تراه.
هكذا كسرت الجماعة إجماع المعارضة لمقاطعة الانتخابات، طمعاً في مقاعد توقع الجميع طيرانها منذ لحظة تكشير النظام عن أنيابه واعتقالاته لقادة «الإخوان».
كان الحزب الوطني من ناحيته يبني اسطورته، لينشر في المجال السياسي توقعات عن انتخابات دموية، وعنف لم تشهده البلاد، وأصابع قوية للدولة تضرب المعارضين وتخطف المقاعد بالقوة.

الجماعة تدخل مرحلة جديدة بعدما عاشت طويلاً على اللعب بين الحظر والسماح
انتشرت أيضاً حكايات سرية عن صفقات توزيع المقاعد على المعارضة الرسمية، والسعي الى التزوير لمصلحة مرشحين بعينهم يريد النظام تزيين البرلمان بوجودهم.
بحث كل طرف في المعارضة القديمة عن «كفيل سياسي» يضمن له حصة من الكعكة، بينما اكتفت تيارات من المعارضة الجديدة بالمقاطعة الصامتة للانتخابات، واضعة فرزاً أخلاقياً على المشاركة، من دون خطاب أو حركة في الشارع تبني موقفاً اجتماعيّاً من تزوير الإرادة.
هكذا وجد الحزب الوطني، بأسطورته، الملعب فارغاً ليصطاد فيه مرشحي «الإخوان»، ويفتك بهم كما لم يتوقع أكثر المتشائمين من مكتب الإرشاد الى أصغر مؤيد للجماعة.
الحزب استفاد من غريزة البقاء، وأطلق مرشحيه لاقتناص كل ما تستطيعه اليد وبكل الأسلحة المحرّمة، بل إن الموت لم يمنع كمال الشاذلي من سحق خصمه، وفاز في دائرته نائبان عن «العمال».
روح كمال الشاذلي لم ترفرف فقط على دائرة الباجور، بل على الانتخابات كلها، حيث حصلت الوقائع بتفاصيل تذكّر بانتخابات ما قبل عام ٢٠٠٠، حين فقدت قبضة الشاذلي قدرتها على السيطرة.
الحزب الوطني وحده إذاً في ملعب تسمع فيه صرخات، وتعاد مشاهد من يوم التزوير العلني الشفاف الذي لم يخفه الحزب عن جماهيره الواسعة، على أساس أن الإرادة الشعبية معتقة في صناديق تخرج كل خمس سنوات من مخازن النظام.
لم تعد تهمة التزوير تخيف النظام، المهم فقط اقتناص أكبر عدد من المقاعد، بعد مسرحية ظلّت المعارضة تجري بروفاتها بمنتهى الجدية. انتظرت الأحزاب المصرية العطايا، وترك المقاعد للمعارضة لكي يخرج المجلس لائقاً ديموقراطياً. وهدّد «الإخوان» بعروض القوة، وقاطعت المعارضة الجديدة الانتخابات لتعرّي النظام، لكنها نامت في البيوت توزع خطابات الشماتة على من علت صرخاتهم من فداحة التزوير.
الجميع اشترك في تغليظ أسطورة الحزب، وأياديه العنيفة، لم يخرج الناس من بيوتهم للتصوت، وتُركت اللجان ملاعب لعرض قوة المال والتربيطات السرية، وعصابات البلطجة التي لم تجد من يدافع عن نفسه أمامها.
أين قوّة الإخوان؟ كانت ضربة أقوى من خطف المقاعد نفسها، إضافة الى تكوين خطاب شعبي ضد الجماعة، التي لم تعد قادرة على حصد التصويت الاحتجاجي، ولم تكن قادرة على توقيف التصويت الموجّه بالأموال والقوة، بعدما كانت تنافسه في الانتخابات السابقة.
لماذا تعطلت قدرات الجماعة في استخدام الأسلحة المحرّمة (الدين والمال والقوة)؟ هذا سر المعركة الذي يجعل الانسحاب من جولات الإعادة بلا قيمة تقريباً، لأنه حتى إذا حصل مرشّحو الإخوان على مقاعد في الإعادة، فإن قوتهم النيابية لن تدخل في الحسابات، كما أن المهم هو اكتشاف أنها جماعة تعمل فقط عندما يُسمح لها، وتنكمش عندما يضغط عليها.
هل هي مرحلة العودة الى المساجد، أم مرحلة جديدة تماماً على الجماعة التي عاشت طويلاً على اللعب بين الحظر والسماح، مستفيدة من عملها من دون شرعية رسمية؟ ماذا ستفعل الجماعة؟ وماذا سيفعل النظام من دون معارضة يمكنه السيطرة عليها لأنها محظورة؟