لعل أبرز ما يميّز المرحلة السياسية الراهنة في السودان، إقدام القوى السياسية الرئيسية على كشف معظم أوراقها أمام خصومها، استعداداً لمرحلة ما بعد استحقاق استفتاء الجنوب.

فالحركة الشعبية، التي بات يفصلها أقل من ثلاثة أسابيع عن موعد تقرير الجنوبيين لمصيرهم، لم تعد تخجل من دعوة مناصريها علناً إلى تبنّي خيار الانفصال، بعدما عملت من خلف الكواليس طوال سنوات إلى تأمين الوصول إلى هذه اللحظة.

وفيما تسعى الحركة إلى الإسراع في إنجاز الاستحقاق، يبدو أنها اتخذت قراراً بتوكيل مناصريها من أبناء الشمال مهمة مقارعة حكومة الخرطوم بعد الانفصال. مقارعة أوضح ملامحها نائب الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان ومسؤول قطاع الشمال، ياسر عرمان، أول من أمس، بعدما أشار إلى أن منتسبي الحركة من الشماليين سيتحولون بعد الانفصال إلى حزب سياسي معارض يبقي على ضرورة تحقيق «السودان الجديد»، وفقاً لرؤية زعيم الحركة الراحل جون قرنق، ويعارض الإسلام السياسي الذي نادى به الرئيس السوداني عمر البشير قبل أيام.
أما في المقلب الآخر، فقد تخلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم عن محاولاته اليائسة للإيحاء بأن مغريات الوحدة جعلت الجنوبيين توّاقين للبقاء في سودان موحّد، وباتت قيادات المؤتمر الوطني أكثر جرأة على مصارحة أنصارها بأن الانفصال بات أمراً واقعاً، لا مفرّ منه، مهما قُدِّم من إغراءات وعروض متأخرة للجنوبيين.
وتسليماً بحتمية الانفصال، أقدم الرئيس السوداني، قبل أيام، على إطلاق رؤيته للمرحلة المقبلة، محاولاً توجيه أكثر من رسالة تحمل في طيّاتها إشارات تدلل على عمق المأزق الذي يشعر بأنه يجب عليه مواجهته في المرحلة المقبلة.
وفي خطاب طغت عليه لغة التهديد والوعيد، تعهّد الرئيس السوداني بتشديد تطبيق الشريعة في الشمال فور الانفصال، في إشارة واضحة إلى أن أوضاع غير المسلمين في شمال السودان قبل الانفصال لن تكون كما بعده.
أما السبيل إلى ذلك فستكون من خلال تعديل دستور السودان ليكون الإسلام الدين الرسمي ومصدر التشريع الوحيد، إلى جانب جعل اللغة العربية منفردةً لغة البلاد الرسمية.
ومن هذا المنطلق، انبرى البشير للدفاع عن عدد من الضباط ظهروا في أحد الأشرطة المصوّرة وهم يجلدون فتاةً في وسط الطريق، رافضاً أي محاولة للتحقيق معهم، ومقدّماً بذلك صورة خطيرة ومرعبة عن الشريعة الإسلامية التي يريد تطبيقها.
لكنّ الأخطر في أقوال البشير، تأكيده أنه مع حدوث الانفصال لن يكون هناك مجال للحديث عن تنوّع عرقي وثقافي في البلاد. وهو تهديد يحقق الدافع الكافي لتعميم نموذج مطالبة الجنوب بتقرير المصير في مناطق عدة في السودان، تبدأ من دارفور ولا تنتهي بشرق السوان أو بجبال النوبة، في بلد يشتهر بوجود أكثر من 600 جماعة عرقية ومئة لغة مختلفة، ويشكو الكثير منها من سيطرة النخبة العربية على البلاد.
وأولى الأصوات المعترضة على خطط البشير خرجت من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق اللتين تتمتعان بحق المشورة الشعبية بموجب اتفاقية السلام، ما يوجب عرض أي تعديلات دستورية مقترحة على مواطني الولايتين قبل إقرارها.
أما الأهداف التي دفعت البشير إلى تبنّي هذا الخطاب، معيداً البلاد إلى أجواء أول أيام انقلاب جبهة الإنقاذ في عام 1989، فليست بعيدة عن سعيه إلى ضمان استمراره في الحكم بعد الانفصال.
وبالتأكيد، فإن البشير، الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، لا يخشى تهديدات المعارضة السودانية بتركيبتها الحالية الضعيفة، بالعمل على إطاحته بعد تغيير سياستها في مواجهة الحكومة عقب انفصال الجنوب.
وتتركز مخاوف البشير على تحويله، من قبل أقرب المقرّبين إليه، إلى شماعة تعلّق عليها أخطاء السنوات الماضية، وتظهره أنه المسؤول الوحيد عن الانفصال، إفساحاً في الطريق أمام استبعاده بطريقة أو أخرى.
هذه المخاوف جعلته من خلال خطابه يسعى إلى محاولة تحقيق أوسع اصطفاف من الإسلاميين المتشددين حوله، ليكونوا في خط الدفاع الأول عنه متى حانت لحظة التغيير، غير آبه بما يمكن أن تحمله اقتراحاته المتشددة من تمزيق جديد للسودان.