لم أكتب لك رسالة من قبل، وهذه الكتابة الآن ليست رثاء محموماً بالمشاعر، السطور التالية يا سماح، كلمات قليلة في ذكراك الأولى.

مشكلة الرثاء في واقعنا الراهن، أنها مدعاة ادعاء... على كل حال، ولأسهل الأمر عليّ، لم أكن صديقك بالمعنى الشخصي، كنا نعرف بعضنا، نتواصل بين حين وآخر، للسبب الوحيد الذي جمعك بآلاف حول العالم، وهو فلسطين.


أذكر ما ذكرته، لأقول أن كتابتي هذه، بسيطة، هي بمثابة تحية صغيرة لروحك وذكراك، علّها تصل.
عزيزي سماح:
كما تعرف، لم يعد عالمنا العربي، بعد الربيع العربي كما قبله، وعلى حد ما أعلم، لم تكن تتوافق تماماً مع أي نظام عربي، وكنت أقرب إلى الشعوب، وقدرتها الحرة على تقرير مصيرها، لكن، كما تعلم، "ما كل ما يتمنى المرء يدركه"، كما أن الواقع الآن، بات أسوأ بكثير، فكل حدث لا تعبر عنه، يؤخذ عليك، بحسب الجهة التي تتابعك، وبالتالي، تصبح مداناً، إلى أن يثبت العكس، أو يدخلك أحدهم في ملكوت رحمته! وأنت الذي منعت كتبك في أكثر من معرض كتاب في أكثر من عاصمة عربية، بسبب مواقفك المعلنة أو غير المعلنة، أو المحسوبة على النوايا فقط! تجاه بعض الأنظمة، دانوك في غير مكان، أنت وغيرك من الكتّاب، من أجل كلمة أو رأي لم يناسب سلاطنة الزمان، مع ذلك كان هناك من يريد منك ومن غيرك المزيد.
وأنت كما أعلم، لم تكن تهتم لمثل تلك المهاترات (كنت أحياناً تضحك عليها) وذاك الكلام الذي يستهلك من وقت الحياة، ولا يقدم سوى المزيد من شحن الفرقة بين الأفرقاء، لذا كنت تمضي في هدفك، تكتب، تقرأ، تنشر، تراسل، تتواصل، تنظم أنشطة، وتدعم أطفالاً في نادي الشطرنج بمخيم شاتيلا. كنت تتكلم، كنت تعمل.

التطبيع
لا أخفيك، في العديد من المرات، لم أكن معجباً بطريقة إدارتك لملف المقاطعة، وكنت أفكر أحياناً، أنك تبالغ، وربما تجرب أن تقول للفلسطينيين، أنك فلسطيني أكثر منهم.
هذا التفكير الغريب (انتبهت إليه مبكراً) استوقفني مرات عدة، حين وجدت حملات كبيرة عليك من أناس وطنيين، لا شك في انتمائهم، ودعاني الأمر لطرح الأسئلة، لماذا شخص كسماح إدريس، يخوض هذه الحروب المتواصلة في وجه كل حادثة أو كتابة أو رأي، تشتم فيه أو فيها رائحة تطبيع أو تواصل عن عمد أو غير عمد مع أي شيء يتبع للكيان؟
لم تكن الإجابة سهلة، فحملات المقاطعة في المخيمات، ليست على ما يرام، وليست فاعلة كما يجب، بينما «حملة مقاطعة داعمي 'إسرائيل' في لبنان» كانت في أيامك، نشطة جداً (لم تعد كذلك الآن)، وتمكنت من منع أفلام فيها ممثلة إسرائيلية، وتمكنت من وقف فعاليات فيها شبهة تطبيع... هذه الإنجازات المتعددة، هذا الدأب الذي لديك، استوقفني مراراً، أمام قارورة ماء بلاستيكية، كانت تباع في المخيم من ماركة «نستله»، وكان الحديث عنها بمثابة مبالغة مضحكة (قنينة مي بدها تخدم إسرائيل) لو سمعت هذا الرأي لقلت، «إي نعم، بتخدم إسرائيل».
شغفك بـ «الحكيم» جورج حبش، ومساره النضالي، علمني أن التوجه إلى فلسطين لا يكون بالكلام المعلب والمباع على المنابر، بل بالعمل الدؤوب من أجلها، وصولاً إليها


التحرير
في غير مجلس، استمعت إلى زملاء عدة، اجتمعوا على ملاحظة تخصك تحديداً، وهي أنك أيضاً «تبالغ» في عملية التحرير والتصحيح للمواد التي تصل إلى مجلة «الآداب» اللبنانية، حتى أن بعض الكتّاب، اعتبروا أنك تحاول إيصال رسالة إليهم، بأنهم ليسوا كتاباً.
مرّ الوقت، وباتت الأمور أسهل وأوضح، ما كنت تفعله بتلك المواد، خلال عملية التحرير والتدقيق والتصحيح، اكتشفت مع الوقت، ومع المزيد من المعرفة، أن ما كنت تفعله بالنص، كان إثراء له، وإثراء للكاتب (أخشى منك لو قرأت نصي هذا)، أعلم أنك لم تكن تقصد أن تقول لأحد إنه لا يعرف كيف يكتب، لكنك كنت حريصاً، على إخراج نص عربي صحيح، فيه المعلومة والمعرفة، فيه النص الجميل البديع، فهل كل من كتب كتب! (هل سيعجبك هذا النص يا سماح؟).

فلسطين
قلت لك قبل قليل، إني في بعض الأحيان، كنت أشعر معك ومع غيرك، أن هناك مزاودة علينا، نحن الفلسطينيين، وكانت هناك أحداث ومواقف كثيرة عززت عندي هذا الشعور، ففي بعض الأحيان، كنت أسمع بعضهم يتحدثون عن مقاومة شعبنا الفلسطيني، كأنها مقاومة خاملة أو مقصرة أو أنها لا تقوم بما يجب، ويبدو أنها كانت صيحة لدى البعض ممن لا يعرفون (بعضهم يعرف جيداً) هذه القضية، وما يقدمه شعبها. وفي وقت من الأوقات، ظننت أنك مثل هؤلاء، جراء بعض التعليقات التي تناهت إليّ، لكن التمحيص والتدقيق أيها المحرر البارع، نبّهني إلى أنك تقيم للشعب الفلسطيني حق مقامه، وشغفك بـ «الحكيم» جورج حبش، ومساره النضالي، ورفاقه أمثال أبو ماهر اليماني وشقيقه ماهر، علّمني أن التوجه إلى فلسطين لا يكون بالكلام المعلب والمباع على المنابر، بل يكون بالعمل الدؤوب من أجلها، وصولاً إليها.

في الختام
في كلمة لك، بمناسبة إصدار معهد العالم العربي في باريس كتاباً باللغة الفرنسيّة عن والدك الراحل، الدكتور سهيل إدريس، عنونتها بـ «ما لا ينبغي إغفالُه في مسيرة سهيل إدريس» قلت: «(...) كانت أمّي عايدة تلوم أبي دوماً بسبب نضاله السياسيّ والثقافيّ اليوميّ. كانت تقول إنّ عليه أن يعودَ إلى الرواية والإبداع، فيجيبُها بأنّ الثقافة واحدةٌ وإنْ تشعّبتْ، ولا يمكن أن تقتصرَ على جانبٍ دون جانب، وأنّه لا يستطيع أن يكتب 'أدباً' و 'إبداعاً' ويتناسى أنّه في موقع المسؤوليّة النضاليّة الفعليّة(...)». ألستَ أنت أيضاً، مثل والدك «البيولوجي والأيديولوجي» يا سماح.