«لو أن العرب استلهموا روح القسام عام 1948 لما وقعت الكارثة الأولى، ولو أنهم استلهموها عام 1967 لما وقعت الكارثة الثانية»

أحمد الشقيري

القارئ لسيرة الشيخ الأزهري السوري عز الدين القسام، وما رافقها من حوادث سياسية انتابت الوطن العربي، وخصوصاً فلسطين، يتلمّس بعداً ثورياً حتى النخاع، ومنهجاً إصلاحياً، رافق حركته، وإن كان يُصنّف في إطار الشخصيات «الثورية»، ونضاله -عند بعض ممّن أرّخوا لحركته- ثورةٌ اشتراكية، باعتبار أن ميدان اتصاله كان القرى والنواة الصلبة لحركته كانت من الموظفين البسطاء، والحراس، والأعم الأغلب من الفلاحين.


ويرجّح الكاتب الراحل سميح حمودة أن القسام لم يستطع جذب الطبقة المثقفة، «كان يعتقد أن المدنيّة الحديثة التي غزت العالم الإسلامي، أذابت أغلب الفئات المثقفة بالثقافة الغربية، وجعلتها بعيدة عن روح الفطرة السليمة فلم تستطع التصدي للغرب وعساكره... وغالبية المثقفين الفلسطينيين في تلك الفترة تنتمي إلى مدارس فكرية متأثرة بالمنهج الغربي... ما خلق هوة في التفكير بينهم وبين الشيخ عز الدين القسام» (الوعي والثورة، دراسة في حياة وجهاد الشيخ عز الدين القسام 1828-1935/الشروق للنشر والتوزيع - الطبعة الثانية 1986)
يتعارض هذا الرأي مع الروايات التاريخية التي رجحت تواصل القسام مع الأحزاب العربية في ذلك الوقت، كحزبي الدفاع والاستقلال، وذهاب البعض إلى ترجيح انتسابه إليها؛ فهذه الأحزاب، وإن كان منشؤها المصلحة السياسية، والعائلية (آل الحسيني، آل النشاشيبي)، إلا أنها أحزاب انضمّت إليها طبقة من المثقفين الفلسطينيين. أمّا لماذا لم ينضوِ بشكل علني فيها، ولماذا لم يختر طريقة النضال السياسي، فهذا يعود إلى منهجه الثوري... والإصلاحي.

الرؤية الإصلاحية على مستوى الأمة والفرد
كان من الممكن للقسام أن يكون عالماً أزهرياً تقليدياً، إلا أنه كان للمرحلة الإصلاحية التي كان يعيشها الأزهر الشريف، وتتلمذه، كما يرجّح المؤرخون لسيرته، على يد العديد من الشخصيات أمثال محمد عبده ورشيد رضا (ممّن عرفوا بـ«المدرسة الأصولية»، وما مثّلته من الدفاع عن الإسلام وجذوره، مقابل «مدرسة التغريب» التي كان يمثّلها أمثال فرح أنطون، ولطفي السيد، المصنفون كأصحاب «المنهج التغريبي») أبعد الأثر في تكوين شخصيته. وينقل الكاتب سميح حمودة عن المؤرخ اليهودي يهوشع بورات، أن القسام كان شديد التأثر برضا الذي أنشأ مدرسة خاصة به خارج الأزهر، وكان يحذّر في مقالاته بمجلة «المنار» من أخطار الصهيونية الهادفة إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين.
وفي هذا الإطار، يشير الكاتب بشير موسى نافع، في دراسة عن القسام تحت عنوان «الشيخ عز الدين القسام، مصلح وقائد ثورة»، نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2013، حول الالتزام السلفي الإصلاحي للقسام على مستوى الأمة أنه كان «واضحاً، ليس فقط في انتمائه إلى حلقة محمد عبده في الأزهر، إنما في ممارساته وتصريحاته في سوريا وفلسطين(...) لقد
طوّر طلاب مدرسة الإصلاح العربي الإسلامي رؤية أكثر ثورية للظرف العربي بعد المصائب وخيبات الأمل التي أعقبت الحرب العالمية الأولى(...) لقد تحولت النظرة إلى الغرب الذي كان يعتبر مصدر إلهام لدى محمد عبده ورشيد رضا وجمال القاسمي(...) حيث أصبح ينظر إليه كعدو إمبريالي يناهض وحدة العرب واستقلالهم، ويهدد حرمة خصوصية تاريخهم ودينهم».
هذا المنهج الإصلاحي نقله الشيخ إلى فلسطين، عبر الدعوة للعودة إلى «تعاليم السلف الصالح، مندداً بالاختلاف، ومنذراً قومه بعواقب الشقاق والتمزق». وكان من اللافت فعلاً اهتمامه بمدارس محو الأمية في سوريا وفلسطين، وإن دل هذا على شيء، فهو يدل على نظرة ثاقبة إلى رفع مستوى الوعي في المجتمع. فبالرغم من خطورة المشروع الصهيوني وتداعياته على فلسطين، وتصدّي القسام له وصولاً إلى استشهاده، فإن عملية الإصلاح المجتمعي في نظره لا تقل ضراوة عن الصراع مع المشروع الصهيوني.
التف حول القسام بعض ممن كان لديهم سوابق في الإجرام، وتواصل من خلال «جمعية الشبان المسلمين» التي ترأسها مع مختلف توجهات الشباب المتدينين وغير المتدينين، ذلك أنه كان يرى أن إصلاحهم أولى من إصلاح غيرهم، ويمكن للأمة أن تستفيد منهم. نستطيع تلمس ذلك من خلال ما ذكره المؤرخ أمين سعيد، وهو ممن عاصر القسام، عن من سمّاهم مريدي الشيخ: «إن الشيخ لم يذهب إلى الميدان وحيداً، وإنما ذهب على رأس طائفة من مريديه وأتباعه الذين اصطفاهم وعلمهم، وهذّب ونقى نفوسهم من الأدران والشوائب، فتذوقوا لذة الإيمان الحقيقي».

البُعد الثوري: أولوية فقه المواجهة وعدم الانتظار
لا يقتصر دور القسام على النهج الثوري لمواجهة المحتل، بل ما ميّز حركته هو بُعد نظره، وإدراكه لمرامي المشروع الغربي في المنطقة، فلقد واجه الفرنسيين في سوريا، وحاول مواجهة الإيطاليين في ليبيا، وجمع كما يذكر المؤرخون 250 مناضلاً، وتواصل مع العثمانيين، للوصول إلى طرابلس، إلا أن جهوده لم تكلل بالنجاح. لقد شاهد وعاين احتلالات المنطقة العربية من الغرب الاستعماري، وأدرك منذ البداية مخاطر المشروع الصهيوني، ولقد بذل جهوداً كبيرة في معركة الوعي في مسجد الاستقلال في حيفا، وفي مدرسة البرج التي عمل فيها مدرساً، وفي «جمعية الشبان المسلمين» في التحريض على مواجهة المشروع البريطاني والصهيوني.
لقد مثّلت حركة القسام الفكرية والثورية النضالية، اتجاهاً معاكساً لما كان سائداً من توجهات النخبة الفلسطينية في السعي المستمر للمسار السياسي والديبلوماسي مع البريطانيين، رغم الأكلاف الباهظة، ووضوح المشروع البريطاني في دعم وطن قومي لليهود في فلسطين، فجاءت حركته، كأوّل حركة تعتمد المواجهة المسلحة مع البريطانيين، «فهي أصل الداء»، ولتكسر هذا النمط من التفكير، أي انتظار البريطانيين لإنصاف الشعب الفلسطيني. ألقى باللائمة على هذا المسار، كما ذكرت مصادر عدة: «إن الحركة الوطنية لا تستطيع الثقة بالإنكليز مجدداً بعد تجربة الهاشميين في مكة وبغداد(...) ولا يستطيع المؤمن أن يحاور المستعمر لنيل حقوقه بالإقناع، لأنه يجب أن لا يصدقه، ولا أن يكون صادقاً معه، وفي الحالتين، فقد تحول الهاشميون من رواد ثورة إلى خدم لهم، لأنهم اعتمدوا هذا السبيل».
ولئن اختلف الباحثون فيما إذا أدّت ثورة القسام إلى ثورة عام 1936، أو أن الظروف التي كانت سائدة أوصلت لقناعة بمواجهة البريطاني، إلا أنه على أقل تقدير ساهم في تسريع هذه المواجهة مع البريطانيين، إلى جانب الصهاينة، في وقت كانت فيه المواجهة مع الصهيونية فقط.