يختصر الشيخ المجاهد عز الدين القسام قولاً وعملاً ما ينبغي أن يُقال وأن يُعمل. ليس في المرحلة التي عاشها فقط، بل يمكن القول إن تجربته في مقاومة المحتل تشكل بوصلة المسار الصحيح لهذه المقاومة، منذ أن وضع المحتلون بلادنا في سلّة أطماعهم، وحتى اليوم.


سيرة مجاهد كبير
ولد الشيخ محمد عز الدين القسام في مدينة جبلة السورية عام 1883. درس على يد والده العلوم الشرعية، وأنهى تعليمه في الأزهر عام 1909، وعاد إلى مسقط رأسه. بدأ دور القسام في العمل الجهادي، مع الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911، فقام بتجنيد الشباب السوري لمؤازرة المجاهدين في ليبيا، وجمع المال والمؤن لسد حاجات المتطوعين وأسرهم. وتقول بعض المصادر إنه ذهب سراً إلى هناك والتقى المجاهد عمر المختار.
مع بداية الاحتلال الفرنسي لسوريا، كان من المبادرين للدعوة إلى رفع السلاح في مواجهته، وقام بتدريب المتطوعين مستفيداً من خدمته العسكرية في الجيش العثماني. وقد أسس من بينهم «العصبة القسامية»، التي نشطت عسكرياً ضد الاحتلال، ليُصدِر عليه وعلى عدد من رفاقه حكماً بالإعدام.
انتقل القسام إلى فلسطين عام 1920، وهناك عاود تشكيل «العصبة القسامية» ضد القوات البريطانية. وعملت العصبة بشكل سري وقامت بعمليات عسكرية، قبل أن تنتقل إلى الجهاد العلني عام 1935، على وقع تدفق الهجرات اليهودية بمساعدة وحماية سلطات الانتداب البريطاني، على الرغم من أن القسام وعصبته لم يكونوا قد أتموا استعداداتهم لخوض هذه المرحلة.
اتجه القسام مع نفر من أبناء العصبة إلى قرية يعبد. وهناك، خاضوا مع البريطانيين معركة غير متكافئة، استمرت نحو 6 ساعات. رفض القسام وعصبته الاستسلام على الرغم من تفوق الأعداء عدداً وعدة، ونادى في أصحابه: موتوا شهداء، فاستشهد مع ثلاثة من رفاقه وجرح واعتقل الباقون.
دفن جثمان الشهيد القسام في قرية بلد الشيخ القريبة من مدينة حيفا، وكان لنبأ استشهاده وقع كبير، فعمّ إضراب شامل، وخرج في وداعه آلاف الفلسطينيين متحدّين الشروط التي وضعها البريطانيون لتقييد المشاركة في تشييعه. ويجمع باحثون على أن لتجربة القسام الجهادية واستشهاده دوراً كبيراً في اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامَي 1936 - 1939. وفي ذلك يقول المؤرخ الفلسطيني عبد الوهاب الكيالي في كتابه «تاريخ فلسطين»: «كان لاستشهاد القسام البطولي أثر عميق في فلسطين كلها، وسرعان ما أصبح رمزاً للتضحية والفداء».

وعي متقدم وخطاب جامع
تعبّر تجربة الشيخ القسام الجهادية والدعوية عن نضوج وتطور شخصية صاحبها، وعياً ومسلكاً، في مرحلة من أصعب المراحل التي عاشتها منطقتنا العربية، في ظل مشهدين: تهالك الإمبراطورية العثمانية ومن ثم اندثارها، وفي ذيولها كل المآسي والويلات التي لحقت بأهلها منذ سطوة «الإنكشارية» حتى مواكب الموت في «السفر برلك». ومشهد جحافل الجيوش الغربية المتهالكة على وراثة الدولة الغابرة ونحن من متاعها وأملاكها.
بين هذين المشهدين، يسجل لتجربة القسام تحديها للأمر الواقع وسعيها إلى تغييره على الرغم من قلة الإمكانات وغياب الدعم. كما يسجل للشيخ المجاهد كثير من المزايا، ربما أبرزها:
- أدرك مبكراً أن جهات الاحتلال، مهما تعددت، هي جبهة عدوان واحدة تتقاسم المهمة ذاتها في النهب والاستغلال وكسر إرادة الشعوب. لذلك، ليس غريباً أنه واجه الانتدابين الفرنسي والبريطاني في سوريا وفلسطين ورأى فيهما احتلالاً مباشراً، كما واجه الغزو الإيطالي لليبيا منذ أول لحظة، ووقف محذراً من تنامي الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنبهاً من دور الغرب الاستعماري في تشجيع هذه الهجرة، منذ ما قبل «وعد بلفور».
- وضع، كداعية إسلامي، الدين في معجمه الصحيح، عندما قال من على منبر المسجد: «لا إيمان لمن رضي بالخنوع، واستكان للظلم، واستعذب عبودية البشر»، وقد دعا إلى محاربة الفقر والظلم، وإلى تعاون ضحاياهما وتكافلهم من أجل خلاصهم. وكان من الطبيعي أن يقف الإقطاعيون ضده ويقومون بالتحريض عليه، ووصل الأمر بهم إلى الطلب من السلطات العثمانية نفيه إلى الأراضي التركية للتخلص من أفكاره.
- قام بدور القائد المسؤول دون «مغانم» الزعامة. جاهد فقيراً واستشهد كذلك. لم يعش متكسّباً من موقعه الديني أو الجهادي، بل أنفق على أسرته من كدّ عمله. وعندما لم يجد معه ما يكفي لشراء سلاحه، باع منزله. وقام بدور المقاوم الميداني دون الوقوف على تخوم التحريض على الثورة. ومع أنه كان يحضّ على المقاومة، كان حريصاً في الوقت نفسه على سلامة رفاقه وأمنهم، فحصر اتصاله بهم بعلاقة «خيطية»، إذ يلتقي كلاً منهم على حدة، حتى لا ينكشف أمرهم في سياق الإعداد للمواجهة.
- تجاوز معادلات موازين القوى التي تحكم عادة المتصارعين في الحروب. وهو هنا لم يندفع نحو المغامرة والتضحية بمن معه. لأنه منذ بداية تجربته الجهادية، اعتمد مبدأ «أن تقدم ما تستطيع خير من الصراخ في الهواء». لقد سعى في تحذيره من المخاطر الكبرى لأن يطلق جرس الإنذار لمن لا يزالون تحت تأثير الضعف وقلّة الحيلة، وقد نجح باستشهاده في أن يعلي صوت هذا الجرس إلى أعلى مداياته.