ليس سهلاً أن تبقى الأحداث في قلب الذاكرة، ذاكرتي، بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً، لولا أنها عصيّة على النسيان، فهي تشبه صاحبها الذي يروي ويروى عنه.

في آذار عام 1988، جاء المحتلون لاقتحام بيتنا في الفجر، على أطراف ريف مدينة جنين، حاملين معهم قراراً عسكرياً يقضي بنسف منزلنا، عقاباً لنا على مشاركتنا في انتفاضة الحجارة، أمهلونا ساعتين لإخلاء المنزل، وبدأوا على الفور بزراعة المتفجرات، وفي لحظات تطايرَ المنزل عالياً في السماء، وأصبح البيت ركاماً.
شاهدت موطن الذكريات أمام عيني يهوي قطعاً متناثرة على الأرض، كان الشعور مغيّباً لحظتها، وكان الأقارب والجيران يطلقون الوعود لنا، بأنهم سيعيدون البناء من جديد، لكنه الشيخ بسام السعدي وحده، الذي جاء بعد لحظات من انتهاء حظر التجول المفروض على قريتنا، يحمل اقتراحاً وجواباً عملياً لإعادة بناء المنزل، بدون وعود، وبدون انتظار، وبدون تلكؤ. «شاحنات مواد البناء ستأتيكم غداً»، سمعته يحدّث أمي، وفي مساء اليوم التالي، نفّذ الشيخ بسام السعدي ما قاله لأمي، أحضر مواد البناء، وبدأت عملية بناء المنزل الجديد، وأنا الفتى الشاهد على فعله الذي طابق قوله.
بعد تلك السنين، أسأل نفسي: كيف استطاع الشيخ الإنسان أن يحضر إلى قريتي، وبهذه السرعة ليلبّي نداء الواجب، تجاه أخيه الشيخ خالد، كما سمّاه، فلم تكن شبكة الاتصالات الهاتفية موجودة أصلاً في قريتي، يبدو أنها شبكة الانتماء والولاء للفكرة، هي التي كانت أقرب وأشد وصلاً ممّا هي عليه اليوم، شبكة تتّصل بالقلب وتعرف معاني مشاركة الوجع، كيف لا والشيخ بسام سليل عائلة مناضلة قدمت قوافل من الشهداء، من اللحظة الأولى التي داس فيها الأعداء فلسطين، فكان الشيخ العجوز فرحان السعدي أول فاتح لدرب الشهادة ضد الإنكليز، ليلحق به الأبناء والأحفاد وأبناؤهم ليكملوا مسيرته.

أكثر من أربعة عقود والشيخ بسام يحمل راية الحب للبلاد، ولأهلها، ولأجلها قدّم ولديه


تغيب السنوات، ونلتقي قدراً في بيروت، أنا الطالب في إحدى جامعاتها، وهو المبعد إليها قسراً مع ثلة من إخوانه المبعدين، ضمن ما صار يعرف بـ«مبعدي مرج الزهور» في عام 1992. بعد اللقاء بلحظات، طلب مني الشيخ بسام الذهاب معه إلى مخيم شاتيلا، بحثاً عن زوجة ابن عمّه الذي استشهد في حرب المخيمات، ذهبنا معاً نتفقّد أزقّة المخيّم، نسأل عن منزلها، ولفتني لحظتها أن الشيخ كان يتنقّل في تلك الأزقّة الضيقة كأنه يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب، بينما أنا الريفي، لا أعرف أسرار المخيّمات. وصلنا إلى هدفنا، أدركت حينها أن الشيخ بسام يحمل قلب إنسان عطوف، خارجاً من كل دهاليز السياسة ولغاتها المتشابكة، لقد جاء حاملاً البشرى لزوجة ابن عمّه، بأن ولدها الذي انتقل للعيش في مخيم جنين قبل سنوات، يحمل لها السلام ويريد لقاءها.
خرجنا من المخيّم، عائدين إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، لم أسأل الشيخ بسام عن سرّ وجود الولد في جنين، والأم في بيروت، لكن يبدو أنه انتبه بأنّ حيرة ما تلبّستني، فأخبرني أن الولد تربّى في منزله هو، بعدما أحضره شقيق الشهيد مع بداية انتفاضة الحجارة، مضيفاً بأنّ حبّه للولد لا يقلّ عن حبه لأولاده، لكنه أعطى الخيار لوالدته أن تذهب إلى مخيّم جنين للعيش مع ابنها، أو أن يأتي الولد للعيش معها في مخيم شاتيلا. بدت لي هذه القصة كأن رحلة إبعاد الشيخ بسام إلى لبنان كانت من أجل إتمام هذه المهمّة الإنسانية، لذا عمل سريعاً على إتمامها.
وبين اللقاءين اليتيمين بيني وبين الشيخ، كانت فلسطين حاضرة دوماً في حياته، حاضرة في سنوات المحنة التي عايشها حتى هذا الوقت، أكثر من أربعة عقود والشيخ بسام يحمل راية الحب للبلاد، ولأهلها، ومن أجلها قدّم ولديه إبراهيم وعبد الكريم شهداء، فكرّس مدرسة للوفاء لقناعاته. فالسياسة عنده ليست مهنة، إنها جزء من تشكيل أقوى وأعمق، وأبهى، إنها حلم عودته إلى قرى مرج بن عامر التي غادرها الأهل مكرهين، وهي لحظة الفروسية التي يتقن معرفة كنهها، كيف لا وهو يعيشها في كل خلجاته، وليس مستغرباً رد فعل إخوانه على اعتقاله الهمجي.
لقب الشيخ الذي يطلق على بسام السعدي لقبٌ يتجاوز معنى شيخ الدين التقليدي، فهو لقب يطلق على كبار المجاهدين الفلسطينيين الذين يعيشون فلسطين بالفكر والعمل، ويتبنّون روح الثورة في الإسلام.